عثمان بن جني ( ابن جني )

232

الخصائص

باب في التجريد اعلم أن هذا فصل من فصول العربية طريف حسن . ورأيت أبا على - رحمه اللّه - به غريا معنيّا ، ولم ( يفرد له ) بابا ، لكنه وسمه في بعض ألفاظه بهذه السمة ، فاستقريتها منه وأنقت لها . ومعناه أن ( العرب قد تعتقد ) أن في الشئ من نفسه معنى آخر ، كأنه حقيقته ومحصوله . وقد يجرى ذلك إلى ألفاظها لما عقدت عليه معانيها . وذلك نحو قولهم : لئن لقيت زيدا لتلقينّ منه الأسد ، ولئن سألته لتسئلن منه البحر . فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسدا وبحرا ، وهو عينه هو الأسد والبحر ( لا أن ) هناك شيئا منفصلا عنه وممتازا منه . وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه ، حتى كأنها تقابله أو تخاطبه . ومنه قول الأعشى : * وهل تطيق وداعا أيها الرجل " 1 " * وهو الرجل نفسه لا غيره . وعليه قراءة من قرأ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " 2 " [ البقرة : 259 ] أي اعلم أيها الإنسان ، وهو نفسه الإنسان ؛ وقال تعالى : لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ [ فصلت : 28 ] وهي نفسها ( دار الخلد ) . وقال الأعشى : لات هنّا ذكرى جبيرة أم من * جاء منها بطائف الأهوال " 3 "

--> ( 1 ) عجز بيت من البسيط ، وهو للأعشى في ديوانه ص 105 ، ولسان العرب ( جهنم ) ، ومقاييس اللغة 4 / 126 ، وتاج العروس ( ودع ) . وصدره : * ودع هريرة إن الركب مرتحل * ( 2 ) وهي قراءة حمزة والكسائي . السبعة لابن مجاهد ص 189 . ( 3 ) البيت من الخفيف ، وهو للأعشى في ديوانه ص 53 ، وخزانة الأدب 4 / 196 ، 198 ، والدرر 2 / 118 ، وشرح التصريح 1 / 200 ، وشرح المفصل 3 / 17 ، ولسان العرب ( هنا ) ، ( هنأ ) ، والمحتسب 2 / 39 ، والمقاصد النحوية 2 / 106 ، 4 / 198 ، وبلا نسبة في الإنصاف 1 / 289 ، ورصف المباني ص 170 ، والمقرب 1 / 126 .